حبيب الله الهاشمي الخوئي
82
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وذلك لما عرفت مرارا في تضاعيف الشّرح لا سيما شرح الخطبة المأة والخامسة والثمانين وشرح الكلام المأتين والثّامن أنّ المخلوقات كلَّها محدودة بالحدود الاصطلاحيّة المركَّبة من الجنس والفصل ، وبالحدود اللَّغويّة أي النّهاية واللَّه سبحانه منزّه عن الحدّ اصطلاحيّا كان أو لغويّا لاستلزام الأوّل للتّركيب والثاني للافتقار إلى محدّد ، وكلّ مركب ومفتقر ممكن ، فالواجب تعالى لا يمكن أن يكون له مشابه ومشارك في ذاته وصفاته وأفعاله . والحاصل أنّ الواجب تعالى أجلّ وأعلى من أن يتّصف بالصّفات الامكانية ، فيشابه المحدثات ويشاركهم في جهة من الجهات . الثاني انه ( الغالب لمقال الواصفين ) يعني أنه تعالى شأنه أجلّ من أن يقدر الواصفون على وصفه وبيان محامده ، لعدم وقوف صفاته الكمالية وأوصافه الجمالية والجلالية إلى حدّ معين حتى يحيط بها العقول ويصفه الألسنة كيف وقد اعترف سيد البشر صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالعجز عن ذلك ، وقال : لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، فأنّى لغيره بذلك . وهذه الفقرة مساوقة لقوله عليه السّلام في الخطبة الأولى : الحمد للَّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، فانّ المدح والثناء والوصف كلها بمعنى لا يدرك الواصف المطرى محامده وإن يكن سابقا في كلّ ما وصفا فحيث قصرت ألسنة الواصفين وكلَّت عن تعداد صفاته الحميدة فهو كالغالب على أقوالهم لعجزها عن البلوغ إلى مدى صفاته . الثالث أنه ( الظاهر بعجايب تدبيره للناظرين ) يعنى أنه تعالى ظاهر للناظرين وليس ظهوره بذاته كما توهمه المجسمة وغيرهم من المجوّزين للرّؤية ، بل باثار قدرته واعلام عظمته وبدايع صنعه وعجايب تدبيره وحكمته حسبما عرفته تفصيلا في شرح الخطبة التّاسعة والأربعين والخطبة الرّابعة والسّتين وغيرهما . ( و ) الرابع أنّه ( الباطن بجلال عزّته عن فكر المتوهّمين ) يعني أنّه محتجب عن الأوهام والعقول ، وليس احتجابه واختفاؤه بصغر جسمه وحقارته أو